السيد حيدر الآملي
348
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
ويستحقّ به العذاب الدّائم ، وهذا مثل شريف في هذا الباب واللّه أعلم بالصواب وإلى اللّه المرجع والمآب . وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [ سورة الزمر : 27 ] . هذا أبحاث وأسرار ليس يحتمل هذا المكان أكثر من ذلك ، واللّه أعلم وأحكم ، وبه العصمة والتوفيق . وأمّا قول العلماء والمشايخ رضوان اللّه عليهم أجمعين ، فأحسنه وألطفه ما قال الغزالي رحمة اللّه عليه في جواهر القرآن « 86 » : إنّ القرآن بحر لا ساحل له ، والنّاس غوّاصون فيه بقدر فهمهم واستعدادهم في علم الغوص والسّباحة ، وفيه أنواع الجواهر واللآلي وأصناف اليواقيت والزّبرجد ، والنّاس متفاوتون في طلبها بقدر معرفتهم وفطنتهم وذكائهم وحدسهم ، وقد أوّل كل آية بجوهرة أو درّة بما عرف من المناسبة بينها وبينها حتّى عدّ من الآيات الّتي سمّاها جوهرة سبعمائة وثلاث وستّون آية ، ومن الآيات التي سمّاها درّة سبعمائة وإحدى وأربعون آية ، وأوّل ذلك قوله : فإنّي أنبّهك أيّها المسترشد في تلاوتك المتّخذ دراسة القرآن عملا المتلقّف عن معانيه ظواهر وجملا . فأقول : إلى كم تطوف على ساحل البحر مغمضا عينيك عن غرائبها أو ما حان لك أن تركب متن لجّتها لتبصر عجائبها وتسافر إلى جزائرها واجتناء أطايبها ، بل تغوص في عمقها فتستغني بنيل جواهره ، أو ما تستغبن نفسك في الحرمان عن درّرها وزواهرها بإدمان النّظر إلى سواحلها وظواهرها ، أو ما بلغك أنّ القرآن هو البحر المحيط ومنه يتشعب علم الأوّلين والآخرين كما ينشعب عن سواحل البحر المحيط أنهارها وجداولها أو ما تغبط أقواما خاضوا لجة غمرة أمواجها فظفروا بالكبريت الأحمر وغاصوا في أعماقها واستخرجوا اليواقيت الأحمر والدّر الأزهر
--> ( 86 ) قوله : ما قال الغزالي الخ . جواهر القرآن ص 5 بعد الخطبة .